الذهبي
57
الأمصار ذوات الآثار
محمد بن المنذر الكندي : « حج الرشيد فدخل الكوفة ، فطلب المحدثين فلم يتخلف إلا عبد اللّه بن إدريس ، وعيسى بن يونس ، فبعث إليهما الأمين والمأمون فحدثهما ابن إدريس بمئة حديث ، فقال المأمون : يا عم ، أتأذن لي أن أعيدها من حفظي ؟ قال : افعل ، فأعادها ، فعجب من حفظه » « 1 » . وقال الخطيب : « كان المأمون أعظم خلفاء بني العباس عناية بالحديث ، كثير المذاكرة به ، شديد الشهوة لروايته ، مع أنه قد حدث أحاديث كثيرة لمن كان يأنس به من خاصته ، وكان يحب إملاء الحديث في مجلس عام يحضر سماعه كل أحد ، فكان يدافع نفسه بذلك حتى عزم على فعله - ثم ساق الخطيب بسنده إلى - يحيى بن أكثم القاضي قال : « قال لي المأمون يوما : يا يحيى أريد أن أحدث ، فقلت : ومن أولى بهذا الحديث من أمير المؤمنين ؟ ! فقال : ضعوا لي منبرا بالحلبة ، فصعد وحدث ، فأول حديث حدثنا به عن هشيم ، عن أبي الجهم ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار ، ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثا ، ثم نزل فقال : يا يحيى كيف رأيت مجلسنا ؟ فقلت : أجل مجلس يا أمير المؤمنين تفقه الخاص والعام ، فقال : لا ، وحياتك ما رأيت لكم حلاوة ، وإنما المجلس لأصحاب الخلقان ، والمحابر - يعني أصحاب الحديث » « 2 » . وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري : « لما فتح المأمون مصر ، قال له قائل : الحمد للّه يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك ، وأدان لك العراقين ، والشامات ، ومصر ، وأنت ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت له : ويحك إلا أنه بقيت لي خلّة وهو أن أجلس في مجلس ويستملي يحيى فيقول لي : من ذكرت رضي اللّه عنك ؟ فأقول - وساق الحديث » « 3 » .
--> ( 1 ) تاريخ الخلفاء 217 . ( 2 ) شرف أصحاب الحديث 101 . ( 3 ) تاريخ الخلفاء 220 .